شهد التيار القومي نهاية التسعينات تراجعا دفع البعض إلى الترحم عليه، ورغم أن قلاع الدفاع عن هذا الفكر بقيت صامدة، فقد تضررت كثيرا بسقوط عاصمة الرشيد "بغداد"، لكن انتعاشة ملحوظة رافقت إعدام الشهيد صدام حسين، وجاء إعلان الجماهيرية الليبية حدادا رسميا بمناسبة هذا الحادث الأليم ليوحد الشارع القومي العربي.
هذا التجاذب دفع الحركة القومية الموريتانية إلى الظهور من جديد على المسرح السياسي توج مؤخرا ببروز مبادرات فردية تهدف إلى لملمة البيت العروبي، خاصة من قبل الذين ينتمون إلى "حركة اللجان الثورية"، ومن أجل قراءة ما بين السطور والتوقف عند بعض الملامح الوطنية، حاورنا الأستاذ المحامي: "محمد محمود ولد الحاج باي" أحد أبرز عناصر "حركة اللجان الثورية" في الساحة الموريتانية.
الحرية: أهم ما يتطلع إليه المواطن حاليا هو القراءة الموضوعية للحدث الحالي، فهل بالإمكان إطلاعنا على قراءتكم للتطورات الراهنة حول إشاعة إمكانية تمديد المرحلة الانتقالية أو ترسيخ رئيس الدولة، رئيس المجلس العسكري؟
الحاج باي: قضية التمديد هذه تذكرني بالتمديد للرئيس لحود في لبنان وما جلبه مع وجود الفارق، والواضح هنا أنها دعوة ناقضة للعهود والقوانين التي تعهد بها وأصدرها المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية، والتزم أمام الشعب الموريتاني والمجتمع الدولي بالوفاء بها، ومن هذه التعهدات والقوانين التي تحظر ترشح أي عضو من أعضاء المجلس العسكري والحكومة خلال المرحلة الانتقالية لأي منصب انتخابي، وعليه فإن أي دعوة إلى التمديد أو الترشيح لا تصدر عن نوايا حسنة ولا تخدم الديمقراطية، بل تقوض المبادئ التي تقوم عليها وتكرس نظرية المستبد العادل الذي لا يخطئ، وهي الديكتاتورية بعينها وإلغاء حقيقي للدستور والمؤسسات التشريعية وتنكر للتعددية السياسية، اللهم إذا عقدت مؤتمرات لكل المواطنين على غرار الأيام التشاورية ليقولوا كلمتهم في الموضوع.
الحرية: أنت كمهتم بالشأن العام ومعروف في الإطار النضالي كحزب العمل من أجل من أجل التغيير، بم تبررون غيابكم؟
الحاج باي: فيما يتعلق بالشأن السياسي الوطني أقول أنني لم أتغيب عن الساحة، وقد كنت مشاركا وفاعلا من خلال حزب العمل من أجل التغيير، وهو الحزب العظيم الذي ناضلت في صفوفه بقيادة الأخ: مسعود ولد بلخير حتى تم حله من طرف السلطات في عهد ولد الطايع، ولم أنه بذلك نضالي، بل شاركت في عمل سياسي آخر تمثل في حزب حركة تطوير الديمقراطية الذي كنت أشغل فيه مسؤول الشؤون السياسية والقانونية وعضوا مؤسسا له، إلى أن صدر قرار برفضه من قبل وزارة الداخلية أيضا في عهد ولد الطايع، ولم يبق لي إلا أن أناضل في جانب آخر من الساحة السياسية له متطلباته، حيث أتابع الأحداث وتطوراتها، أتأثر بها وأحاول التأثير فيها.
الحرية: لم لم نر مجهودا يذكر لكم في وريث حزب تطوير الديمقراطية الذي هو حزب "حركة الديمقراطية المباشرة"؟ وكيف تفسرون عدم الترخيص له من طرف سلطات المرحلة الانتقالية؟
الأستاذ الحاج باي: بالنسبة لعدم المشاركة في حزب الحركة الديمقراطية المباشرة يرجع ذلك أولا لعدم مشاركتي في تأسيسه، وثانيا عدم اقتناعي بالأسلوب المتبع في تأسيس الحزب المذكور من طرف القائمين عليه، لأن ما قدم من أفكار ووثائق وبرامج لا يعدو كونه نسخة مصورة من حزب حركة التطوير الديمقراطية الذي سبق ذكر رفضه، ونظرا إلى أنه لم يتغير أي عنصر من العناصر التي يفترض أن السلطات رفضت الحزب على أساسها، لا من حيث الأشخاص ولا من حيث البرامج، ومن ثم لا أرى ضرورة للمشاركة في عمل أعتبره غير جاد، ومحكوم عليه بالفشل.
الحرية: إذا؛ كيف ترون الطريقة المثالية لفتح المجال مع الإدارة لإيجاد صيغة مقبولة من طرفها لعملكم السياسي الحزبي المنظم؟
الأستاذ الحاج باي: للإجابة على هذا السؤال لا أقول أن هناك طريقة محددة للتعامل مع الإدارة إلا بالطرق الإدارية نفسها، فالطريق القانوني مؤسس على المبادئ والحقوق الواردة في الدستور والقوانين المنظمة لتكوين الأحزاب السياسية والجمعيات، وهو ما يتطلب ملائمة الأنظمة والبرامج السياسية مع القوانين لمن يرغب في الانخراط في العمل السياسي الحزبي العلني، بغض النظر عما يعتقده أو يؤمن به من أفكار أو نظريات ذاتية.
الحرية: أنتم كناشط في "حركة اللجان الثورية"، كيف تتصورون تجميع طاقاتها وقدراتها وإمكانية مشاركتها في بناء الديمقراطية وتوجهاتها المحلية؟
الحاج باي: لا توجد للديمقراطية إلا طريقة واحدة، هي المؤتمرات الشعبية، وانطلاقا من قوله تعالى: "وأمرهم شورى بينهم" بالشورى والتشاور في المؤتمرات نجد السبيل والطريق الأسلم والأصلح للجمع بين الفرقاء السياسيين وغيرهم، ونظرا إلى "حركة اللجان الثورية" في الساحة الموريتانية حركة ذات قاعدة جماهيرية عريضة وكفاءات علمية وثقافية هائلة، لم تحقق أي إنجاز سياسي على المستوى الذي كان ينبغي أن تظهر به في المشهد السياسي الوطني لمجموعة من الأسباب، منها ما يرجع إلى تاريخ النشأة، ومنها ما يتعلق بالأشخاص أو الأفراد.
فيما يتعلق بالنشأة بالرجوع إلى تاريخ الحركة معروف أنها جاءت إلى موريتانيا عن طريق العمال والسائقين، ومثل هذه الطبقات – حسب تصور البعض – ونظرا إلى الحركة تطورت عبر تاريخها وأصبح يدعو لها ويتبناها دكاترة وأساتذة وإعلاميون ومحامون ومهندسون، وبشكل عام الطبقة الفاعلة في المجتمع السياسي والمدني، غير أن البعض ما يزال يعاملها، أو يتعامل معها على ذلك الأساس، والواقع الحالي مخالف لتلك النشأة التي كانت وليدة الظروف والمراحل، وهذا هو السبب الرئيس في عجز الحركة عن المشاركة في أية تشكيلة سياسية لمختلف الأنظمة التي حكمت هذا البلد.
أما فيما يتعلق بالأفراد فقد غلب عليهم طابع الذاتية وقلة الموضوعية والقصور وسطحية النظرة في رآهم السياسية البعيدة التي تأسس لمشروع حضاري وإنساني يسعى إلى تغيير الواقع المعيشي والسياسي والثقافي للإنسان من خلال تمكينه من ممارسة سلطته، لا أن يناب عنه، وحقه في الرعاية الصحية والسكن والتعليم وبناء اقتصاد مزدهر وتنمية شاملة.
الحرية: إذن؛ ما هو توجه "حركة اللجان الثورية" في الساحة الموريتانية والخيارات المتاحة لها؟
الحاج باي: توجه "حركة اللجان الثورية" تتجاذبه عوامل الجذب في الساحة السياسية الموريتانية وأطراف الصراع في الحركة، ورغم أن الساحة السياسية خاصة فيما يتعلق بالاستحقاق الرئاسي لم تتبلور بالشكل الذي يسمح باتخاذ موقف واضح، إلا أن هناك اتصالات مزمع القيام بها ومفتوحة، وحيثما وجدت المصلحة العامة التي تحقق للحركة المكاسب السياسية وتجعلها على المستوى الذي تستحقه بأن يوفر لها أو يلتزم بتوفير الإطار السياسي القانوني لها ستكون داعمة له.
الحرية: هل من كلمة أخيرة؟
الحاج باي: أشكر من خالص قلبي إخواني وزملائي القائمين على جريدة الحرية، وأذكر لهم حسن قيامهم بمهامهم واقتدارهم على ذلك، ويكفيهم أنهم جعلوا من شعار الحرية جريدة لهم، وكما يقال: "في الحرية تكمن السعادة".