الاثنين، يوليو 23، 2007

الثقافة الوطنية مابين جرأة السياسيين و تردد المثقفين


بسم الله الرحمن الرحيم

الثقافة الوطنية مابين جرأة السياسيين و تردد المثقفين
ملاحظات منهجية حول ندوة جمعية الضاد عن الثقافة الوطنية والتحديات الكبرى


نظمت جمعية الضاد يوم الخميس الفارط 19 يوليو 2007 ندوة ثقافية حضرها جمع كبير من الساسة والمثقفين وعشاق اللغة التي أنزل الله بها الذكر رحمة للعالمين.

لقد انعقدت الندوة في ظرف دقيق لا زالت فيه تداعيات قضية المبعدين تضرب بظلالها علي الدولة والمجتمع الموريتانيين. ولولا المكانة الكبيرة التي يحظي بها الأديب الكبير، ناجي محمد الإمام رئيس الجمعية المنظمة، في نفوس المهتمين بالشأن الثقافي لما تداعت كل تلك الجموع الطلائعية لحضور الندوة. لكن شخصية بحجم الأديب ناجي شجعتنا كلنا علي الإعتقاد بأنها ستكون ندوة ناجحة وفريدة. فالرجل عرف عنه الجد والقدرة علي الإنفتاح علي الآخر. فإتقانه للغة الضاد لم يمنعه من الأخذ بتلابيب بعض اللغات الوطنية وكذلك اللغة الفرنسية.
لقد لمسنا في الأخ ناجي محمد الإمام حتى قبل انعقاد الندوة بأكثر من اسبوع حرصه علي أن تكون الدعوة عامة والحضور متنوع والنقاش جريئ وصريح. فلم يقتصر الحضور علي القوميين العرب وحدهم، بل إن التيارات الفرنكفونية والإسلاموية واليسارية وغيرها قد تم استدعاءها.
لكن اندفاع الأديب ناجي وجديته من جهة وأهمية موضوع الندوة ودقة الظرف من جهة أخري لم تكن تكف علي ما يبدو لإنجاح المهمة بالشكل الذي كنا نتصوره أو نصبو إليه.
لذلك وقبل الخوض في المسألة نري أنه من الضروري إبداء بعض الملاحظات المنهجية:

1- إن كافة المتدخلين الذين قدموا أفكارا وآراء هم من قدماء الساسة والدبلوماسيين.سواء تعلق الأمر بالأستاذين الكبيرين أحمد باب مسكه ومحمد ولد سيدي ولد حننه أوالسفير المحاضر ولد كتاب. كما أن غالبية المعلقين كانوا من المحسوبين علي المربع السياسي أوالطامحين في امتلاك مواقع متقدمة فيه كالنائب المحامي سيدي ولد محم والدكتور الشاب حماه الله ولد السالم.
أما الحضور فأكثريتهم من الساسة وفي ذلك حدث ولا حرج:الدكتور عبد السلام ولد حرمه والرئيس صالح ولد حننه، والرئيس محمد ولد مولود، والرئيس محمدو ولد بيديه، والرئيس الخليل ولد الطيب، والنائب محمد جميل ولد منصور، الوزير السلبق المدير ولد بونه، والأستاذ بيرام ولد اعبيدي وغيرهم كثير.
2- أما من كانوا يحسبون علي الثقافة والثقافة وحدها فقد كانوا –مع الأسف- يعدون علي رؤوس الأصابع.فهم رغم ذلك كان لهم حضور، لكنه ليس بالمستوي الذي كان ينبغي أن يكون من الأخذ بزمام المبادرة والتأسيس للبرامج والحلول المقترحة في الموضوع.
فأصوات ناجي محمد الإمام، ومحمد المختار ولد محمد فال، وديدي ولد السالك ، وممد ولد احمد ، ومحمد سالم ولد الداه، ومحمد ولد الطالب وغيرهم من المثقفين الذين يحصرون أنفسهم في المربع الثقافي، تعجز أن تعلوا برصانتها العلمية وصداها المميز علي حنكة الساسة وبراعتهم في تحويل الثابت إلي متغير والعقلاني إلي عاطفي أوالعكس.
3- لا غروة في أن تكون الندوة قد أعادت إنتاج نموذج التعاطي الموريتاني مع القضايا الثقافية والعلمية بشكل عام. ذلك النموذج السياسوى الذى يتخذ من المقاربة الماكيافيلية بعده رغم إجراءه في غالب الأحيان لعمليات تجميل لطرقه ووسائله.
فمهما عقدنا من ندوات كان منطلقها ومبتغاها ثقافي، سرعان ما ينغلب الوضع فيها، وتتحول إلي نقاش سياسي أقرب إلي إبداء المواقف الذاتية منه إلي تقديم وجهات نظرعلمية و موضوعية.
إن أصحاب المربع السياسي في بلادنا يبالغون في استعمال صلاحياتهم وأكثر من ذلك هم يستحوذون علي صلاحيات غيرهم من أصحاب المربع الثقافي وقادة الرأي العام وصناعه. إن مفهوم القيادة ومهمة توجيه المواطن خيلت لبعض ساستنا وأوهمتهم أن لا صوت ينبغي أن يعلو فوق أصواتهم. فهم القدوة والرواد والطليعة، وبالتالي علي الجميع أن يصطف وراءهم ويردد ما يعتقدون.
4- لست أتحامل في هذا الموقف علي السياسيين، لأنه ربما أكون محسوبا عليهم، في الوقت الحالي علي الأقل، وذلك رغم انتمائي لتيار سياسي ثقافوي في صميمه. تيار لم تكن السياسة يوما ما، هدفا أو وسيلة محورية في برنامجه: إنه تيار الفكر الجماهيري.
إنه لأمر مفارق لكنه حقيقي، أن يظل الساسة من أصحاب المربع السياسوى يتحكمون في الشأن الثقافي ويتصرفون فيه ويوجهونه حسب ما تقتضيه المصلحة السياسية، والتي هي في معظم الأحيان لا تتناغم مع المصلحة الثقافية العليا للبلد ولا حتى مع متطلبات الواقع الموضوعي.
5- كان ذلك علي مستوى الشكل. أما علي مستوي المضمون، فإن معظم المحاضرين اختزل الموضوع في خطاب نظري جاف وتقليدي.أو سرد ممل لوقائع أو أحداث تاريخية يعلمها القاصي والداني. لا أقصد بذلك أن أنقص من قيمة المداخلات أو من لمعان الشخصيات العلمية التي قدمتها، لكنني أردت أن أرقي بالمسألة الثقافية إلي مستوي الإهتمام والتعاطي الذين تستحقهما، والذين أرادهما لها منظموا الندوة.
6- قبل مجيئ الإستعمار، لم تعرف البلاد قط ما يمكن أن نسميه بالأزمة الثقافية. فلم يسبق أن تعرضت الثقافة الوطنية لأي تصدع. وبشهادة التاريخ، لم تكن الثقافة الأم للبلد، هنا الثقافة العربية الإسلامية، قد دخلت في تصادم أو تنافس مع أي من روافدها المتعددة: سواء تعلق الأمر بالثقافات الزنجية أو البربرية. فقد كانت الثقافة الوطنية بلغتها العربية وعاء جامعا لكنه ليس مانعا. أي أنها كانت تجمع مختلف مكونات الطيف الثقافي المحلي في بوتقة واحدة، لكنها وفي نفس الوقت، لا تتخذ من سيادتها هيمنة إثنية أو دكتاتورية ثقافية. بل علي العكس من ذلك. فقد كان فطاحلة الفصحاء من عشاق لغة الضاد لا يتورعون عن الإستئناس – وهم في أروع تجليات عطاءهم أي الشعر – بكم هائل من العبارات والمصطلحات الزنجية والبربرية. كما أن رواد الرأي وصناعه في كنف تلك الثقافات الفرعية لا يجدون ضيرا ولا حرجا في ملئ الفراغ الألسني لديهم بما يمكن أن تسعفهم به اللغة العربية ، باعتبارها أقرب اللغاة الحية لوجدانهم وبيئتهم. فما يحاول اليوم إشاعته من صراع أو تنافر بين الثقافة العربية السائدة في البلاد والثقافاة الوطنية الفرعية، هو محض افتعال لأزمة أراد لها الإستعمار أن تنخر جسم البناء الثقافي للشعب الموريتاني، فعجز وهو وقتها لا يزال في أوج سيطرته العسكرية والاقتصادية. فكيف بأتباعه أن يحققوا له ما استحال عليه انجازه.
7- في البدء، وحده التيار الفراكفوني، كان ينفرد بمناصبة العداء لثقافتنا الوطنية التي تتبوأ فيها اللغة العربية صمام أمان ووعاء لبقية الروافد. وكان ذلك الموقف غير مفاجئ لأبناء هذا البلد، لأنه نابع من الطبيعة العدائية والإستعمارية لذلك التيار. فما كان الإستعمار ليطمح في التحكم في مقدراتنا قبل وبعد الإستقلال إلا لقناعته بأن تهميش اللغة العربية و استبدالها بلغته سيمكنه من ذلك.
كما أن طبيعة هذا التيار الاوطنية، ساهمت في كشف حقائقه وبرامجه ومريديه. وبخصوص مريديه، أعتقد أنه من نافلة القول التأكيد في هذا المقام علي أن أول نواة لهم تشكلت مع قدوم المترجمين أو ما كان يعرف " بأملاز".
8- لقد رحل المستعمر عن البلاد بعد مقاومة عظيمة تعانق فيها لمعان وزخم الاصالة الثقافية مع أوار بارود المجاهدين. فكما كان هناك جهاد عسكري كان هناك كذلك جهاد ثقافي لا يقل أهمية ولا شراسة عن حمل السلاح. وظل الآباء يقاطعون المدارس الفرنسية ويحيون التراث حتي بعد أن قررت فرنسا الرحيل عن البلاد.
هنا نستطيع القول بأن الشق المعنوي من النضال الذي خاضه الآباء والاجداد لم يكن نضالا سياسيا وإنما كان في صميمه ووسائله وأهدافه نضالا ثقافيا وحضاريا. لذلك لم تتباين فيه الرؤي حول القضايا الجوهرية بين فرقاء المجاهدين.
فكانت مواقفهم منسقة متناغمة لوحدها من دون عناء أوتكلف. وظل الأمر علي نفس الوتيرة حتي بعد قيام دولة الإستقلال رغم أن تلك الفترة شهدت بداية تشكل ما يمكن تسميته لاحقا بالتيارات السياسية. تلك التيارات التي واصلت تبني نفس الرؤية والطرح فاجتمعت كلها تحت خيمة الثقافة الوطنية بركيزتيها الأساسيتين: اللغة العربية والإسلام.

و في هذا السياق يأتي انسجام الرعيل الأول من قادة تيار الكادحين اليساري مع اطروحة الثقافة الوطنية الموحدة باللغة العربية والدين الإسلامي، كأساس لدولة وطنية موريتانية في مقابل الدولة الإمبريالية الفرنسية.
لقد ناضل الكادحون الأوائل من زاوية وطنية محضة. فوجدوا في التشبث بقيم الدين الإسلامي الحنيف وقواعد اللغة العربية ملاذا وصمام أمان في نفس الوقت.
ولا يعني ذلك أن الطروحات الإيديولوجية والسياسية لهؤلاء تنبثق عن منظومة دينية أة قومية. كلا، فهي من الناحية الفلسفية والإيديولوجية لا تتقاطع معهما في أي رافد من روافد الفكر والثقافة عدا الإنتماء الجغرافي والسوسيوثقافي الذي يجمع الكل في وطن واحد. لكن المثقفين الكادحين الأةائل لم يجدوا ضيرا ولا عقدا لديهم في تبني الثقافة الوطنية(اللغة العربية والدين الإسلامي) وهم يناضلون ضد الجود الإمبريالي الفرنسي. لقد عشعش التيار الكادحي في معظم المحاظر والكتاتيب المنتشرة في القري والأرياف. واخترق صفوف الأساتذة وطلبة العلم فانخرطوا في منظومته وتجندوا لنشره والدفاع عنه. ولم يحدث أي تصادم بين الفكر اليساري الوافد وبين الفكر العربي الإسلامي السائد في البلاد أنذاك. والسبب في ذلك جلي، وهو أن تيار الكادحين لبس اللبوس الثقافي في بداية نشأته. فلم يكن يختلف عن بقية التيارات الوطنية التي تدافع عن الهوية الوطنية التي حاول المستعمر طمسها وتشويهها. لذلك لم يثر الكادحون انتباه المتدينين والمدافعين عن الإنتماء العربي للبلد. لأنهم لم يتعرضوا في نضالهم لأي من نقاط الإختلاف والتصادم مع التيارات العربية والإسلامية. فقد اكتفوا بإثارة الجوانب الصراعية بين المنظومتين العربية الإسلامية(التي تشكل ركائز الثقافة الوطنية) والفرنسية الإستعمارية (التي تشكل إحدي ركائز الإمبريالية العالمية) . ربما هي المرة الأولي في تاريخ اليسار الماركسي، و التي لم يكن فيها الدين إفيونا للشعب. إنها الحالة الموريتانية أو هكذا يجب أن نسميها، لأنها كانت فريدة من نوعها. إن ما قام به القادة الأوائل لتيار الكادحين من نضال ضد التغريب والإستعمار، هو للأمانة التاريخية، عمل جبار سنظل نخلد ذكراه ما دمنا نجرأ علي الشهادة بالحق والإشادة بمن دافعوا عنه وحققوه. فكم من فقيه وعالم وعروبي اليوم، يتباكي علي زمن الكدحة ويستعيد الذكريات.
إن تيار الكادحين لم يكن يحترم ثقافة البلاد وقيمها فحسب، بل كان يقوم بمهمة احتضان وترويض كل الساسة المبتدئين في الحقل السياسي من قوميين واشتراكيين وأمميين والكادحين أنفسهم.
لكنه مع قيام الدولة الحديثة بدأت إرهاصات تشكل طيف سياسي خجول تمثل في أحزاب وحركات سياسية مختلفة. فكانت نهاية السبعينات في التاريخ الموريتاني هي نهاية زمن التيارات الثقافية وبزوغ فجر الفكر السياسي الموريتاني المتميز بالتخندق داخل الفضاء الثقافي الوطني علي أساس المصالح السياسية الضيقة النفعية البراغمائية والتصادمية.
إنه تلك الإرهاصات قد أسست لمرحلة جديدة من الصراع علي خزامة المجتمع عمل فيها جميع الفرقاء السياسيين بكل نصائح ماكيافلي. واندلعت الخلافات الحادة التي وصلت في بعض الأحيان إلي إلغاء الآخر ونفيه.
فكان من النتائج الأولية لتلك المرحلة أن خرج إلي الوجود ما كان يعرف سابقا بالتوجه القومي، والذي سيعرف لاحقا بالتيار القومي بموريتانيا.
فعلي الرغم من أن وجود هذا التيار قد سبق تلك الفترة، إلا أن تمظهره بشكل فعلي كان سببه بداية معاناة الثقافة الوطنية. تلك الثقافة التي لم يعد التيار الماركسي يدافع عنها. بل أصبح في غمرة تحوله من تيار ثقافي إلي تيار سياسوي يناصبها العداء بكل ما أوتي من قوة. ذلك أن الكادحين الجدد بعد أن أفصحوا عن نواياهم الحقيقية ، وتبنوا طروحاتهم الاممية التي لا تعير أي اهتمام لخصوصيات الشعوب والمجتمعات ، وجدوا أنفسهم في تضاد لا مناص منه مع القوي القومية الوطنية.
ولم يجدوا قضاضة في تبني الطروحات الفرنكفونية ونعت القومية الثقافية والحضارية التي نادي بها العروبيون علي أنها عنصرية وإقصائية. فكانوا أول من افتعل مصطلح الوحدة الوطنية وكأن البلاد كانت تعيش تشتتا أو تفرقة وطنية. بلادنا التي ظل الإنتماء فيها حضاريا وثقافيا علي مر العصور: فالعرب والبربر والزنوج تساكنوا وتعايشوا في كنف قيم واحدة يصلون علي أمواتهم بنفس اللغة ونفس الطقوس. إن البحث عن الإنتصارات السياسية حدا برفاقنا الجدد إلي انتهاز كل الفرص التي عن طريقها يمكن أن يخلقوا مواقف تحسب لهم.
أعود لأقول إن انقلاب الكادحين الجدد علي قيم ومبادئ أوائلهم من عظام الرعيل الأول المناضلين، كان فرصة لظهور التار القومي العربي وبداية وعيه بذاته.
ولن يفوتنا أن ننوه بالدور الكبير الذي قام به أوائل القوميين العرب في نشر الدعوة الإسلامية وحمل لوائها. ففي غياب تيار إسلاموي بالمفهوم الحديث للكلمة، كان القوميون العرب يتصدون لكل أشكال التغريب والهجوم علي الدين الإسلامي الحنيف. ولا غروة في ذلك لأن ذلك الدور – وفي بلاد جميع ساكنتها من المسلمين – يعود في اصله إلي القوميين العرب. ولو لم يبالغ بعض الإخوة من الإسلاميين اليوم في المزايدة علي القوميين العرب في موريتانيا، وأرادوا الإنصاف، لأشادوا بالدور الذي قام به هؤلاء، ولما افتعلوا الخلافات ما بين العروبة والإسلام. فالعلاقة العضوية بين الإثنين أعمق من أن يزايد عليها. خاصة وأن التيار القومي الجماهيري ينص صراحة علي أن القرآن هو شريعة المجتمع.

ولما أحس التيار السياسي الإسلامي بأن القوميين العرب الموريتانيين قد سحبوا مبكرا البساط من تحته، بتبنيهم المعلن والحقيقي للإسلام، أرادوا أن ينتهجوا استيراتيجية الحرب الدائمة علي العروبيين. بل هم يحاولون دوما إثبات أن القوميين والإسلاميين ليسا من نفس الطينة ولا يمكن أن يجمع بينهما إلا القليل القليل..(ارجع إلي مقال الوديعة في عدد السراج ).
تلك هي المفارقة الكبري التي يعيش في كنفها اليوم الإسلام السياسي في موريتانيا. ففي الوقت الذي تتنادي فيه الحركات الإسلامية في العالم العربي وتحط ايديها في أيادي نظيراتها القومية، ينفرد الاسلاميون الموريتانيون بتحاملهم المستميت والمتواصل علي إخوتهم من القوميين العرب الموريتانيين.
فنسي هؤلاء أن رواد الحركة الإسلامية الحديثة يدعون صراحة في كتاباتهم بضرورة قيام الوحدة العربية كشرط أساسي لقيام وحدة العالم الإسلامي.
نعود من جديد لنتساءل عن كيفية تناول مسألة الثقافة الوطنية والتحديات التي تواجهها.
من كل ما تقدم من ملاحظات نستخلص أن الثقافة الوطنية مسألة ثقافية بالدرجة الأولي قبل أن تكون سياسية. أي أن تناولها من زوايا سياسية قد يعرضها للمزايدة السياسية. وقد بدا جليا أن المسألة الثقافية في بلادنا ظلت مسألة اتفاق وتوحد بين مختلف التيارات ، فجمعت بين اليمين واليسار في تناغم بديع حققه الكادحون الأوائل.
لكن سرعان ما انقلبت الآية فتبعثرت الجهود وأصبح الخلاف علي ما كان ينظر إليه بالأمس علي أنه ثوابت، سمة غالبة علي الأجواء الثقافية، فلماذا يا تري؟
لقد أجمع العلم الحديث علي لأن لكل مجتمع من المجتمعات البشرية نسيج ثقافي يربطه، يتميز به عن بقية المجتمعات. ولا يمكن للعقل والعاطفة الذين هما الموجهان للنشاط البشري ( الفردي والجماعي) إلا أن ينبثقا عن ثقافة المجتمع الذي يتحركا فيه. فيتلونان بلونه ويقومان(في الظروف الطبيعية) علي الدوام بإعادة إنتاجه من جديد بكل ثوابته ومتغيراته.
إلا أنه من غير المستساغ أن توكل هذه المهمة إلا للمثقف. لأنه لا يتعامل مع مكونات المجتمع بعاطفية. عكس السياسي الذي ينتقي مواضيعه ومواقفه بحميمية.
بهذه الشظرات المتطايرة، أردت أن أحرك المياه الراكضة، أن أنبش عن مواقف وأسرار ربما إعادة طرحها يساهم في تكون لحظة المبادئة الجريئة لدي مثقفينا.
إنه لم يعد من المقبول تقدم السياسي في مواقع أجدر بالمثقف ان يتقدم فيها ويدلي فيها بدلوه.
لماذا تمتلئ الساحة من السياسيين ويغيب عنها المثقفون؟
لماذا يوهمننا السياسيون بأنهم هم المثقفون وهم سدنة الثقافة الثقافة في البلاد؟
في مجتمع مثل مجتمعنا، ما هو الدور الذي يمكن أن يلعبه كل من المثقف والسياسي؟
وبعد أن يحسم في أيهما أولي بتناول الموضوع علينا أن نطرح الاسئلة التالية:
هل هناك ثقافة وطنية موحدة وسائدة؟ أم أن هناك ثقافات متعددة ومستقلة؟
أيمكننا أن نفصل الإسلام عن اللغة العربية؟
أم أن دور المثقف اليوم جاء متأخرا و ينبغي علينا أن نقدم الساسة علي المثقفين في المرحلة الحالية؟
أسئلة كثيرة ربما تجد لها أجوبة في مناقشات لاحقة.



الأستاذ محمدو ولد بيديه/باحث اجتماعي
Boydiye2@yahoo.fr