الخميس، يوليو 19، 2007

المحكمة العليا: محكمة قانون أم وقائع؟


المحكمة العليا: محكمة قانون أم وقائع؟
تعتبر المحكمة العليا أسمى هيئة قضائية في النظام القضائي الموريتاني طبقا لتعريف المادة (11) من قانون التنظيم القضائي، كما يعتبر الدستور أسمى القوانين الوضعية في منظومة القانون العام، وبتربع المحكمة العليا على عرش القضاء، أعطاها لذلك المشرع حق الإشراف على تطبيق القانون وتفسيره وتأويله بهدف توحيد المبادئ القانونية التي تطبقها المحاكم، الأمر الذي حمل البعض على الاستدلال بقضائها كمبادئ عامة يجب عدم مخالفتها، وعلى القضاء الاهتداء بها في أحكامه، وتمارس المحكمة العليا الإشراف من خلال بسط رقابتها على الأحكام القضائية والقرارات الإدارية والأوامر الصادرة نهائيا والمطعون فيها بالنقض كما تنص على ذلك المادة (203) من قانون المرافعات المدنية والتجارية والإدارية والتي تقضي بأنه: "يهدف الطعن بالنقض إلى إثبات المحكمة العليا عدم مطابقة الحكم المطعون فيه للقواعد القانونية" .
وبمناقشة هذه المادة يتضح أن محكمة النقض (المحكمة العليا) تقتصر وظيفتها التقليدية على فحص سلامة الحكم من ناحية إعمال القانون إعمالا صحيحا على إجراءات ووقائع الدعوى التي أثبتها الحكم الطعين، ومن ثم ليس لمحكمة النقض الحق في مباشرة إجراء من إجراءات التحقيق المخولة لمحاكم الموضوع إلا في الحالتين الآتيتين:
1- في حالة نقض إحدى غرف المحكمة العليا لحكم وإحالته للمحكمة المختصة ورجوعه لها للمرة الثانية، فتمتد صلاحيات المحكمة العليا إلى النظر في وقائع وموضوع الدعوى، وتصدر حكمها كأول وآخر درجة ولا يكون قابلا للطعن إلا لصالح القانون وبإجراءاته المنصوصة قانونا.
2- في حالة الطعن لأول مرة أمام الغرفة الإدارية بالمحكمة العليا بحيث تمتد صلاحياتها إلى القيام بكافة الإجراءات التحقيقية وتبت ابتدائيا ونهائيا في المسائل التي يسندها إليها القانون كما ورد في المادة (11) من قانون التنظيم القضائي. وباستثناء هاتين الحالتين أو حالات خاصة وبنصوص خاصة ليس لغرف المحكمة العليا صلاحية بحث وقائع الدعوى، وإنما تنحصر وظيفتها في دراسة الحكم الطعين، والتثبت من مدى مطابقته وتطبيقه للقواعد القانونية والتأكد من عدم خرقه للنصوص المثار خرقها من طرف الطاعن بالنقض فإذا كان الحكم مبنيا على مخالفة القانون أو أخطأ في تطبيقه أو تأويله، تصحح المحكمة العليا الخطأ وتحكم بالنقض طبقا للقانون وتحيل ملف القضية إلى محكمة الإحالة المختصة..
ويلاحظ كثيرا في الأحكام الصادرة عن غرف المحكمة العليا عدم تركيزها على دراسة أسباب الطعون والنصوص القانونية المدعى خرقها من طرف الحكم الطعين، ويستخلص ذلك من دراسة الأسباب التي تعتمد عليها في إصدار قراراتها وأحكامها، التي يتضح منها أنها أسست على الوقائع، ولم تؤسس على الرد على ما أثير من أخطاء أوعيوب قانونية شابت الحكم محل الطعن بالنقض، مع العلم أن المادة (204) من قانون المرافعات المدنية والتجارية والإدارية حددت النقاط الثماني (8) التي على غرف المحكمة العليا البحث فيها عن مواطن الخروقات القانونية التي قد يكون الحكم المطعون ضده وقع في واحدة منها أو بعضها، والتي من أهمها وأكثرها تكرارا التأكد من صحة الإجراءات الشكلية الجوهرية كاختصاص المحكمة، وكاحتواء الحكم على خرق للقانون أوصدوره اثر خطإ في تطبيقه أو تأويله، وعما إذا كان الحكم مسببا أو ناقص التسبيب أو عدم احترام الأشكال المقررة أو إساءة استعمال السلطة...
وما نهدف إليه من خلال هذه الورقة هو لفت النظر إلى الدور الهام للمحكمة العليا من خلال جوهرية رقابتها القضائية على الأحكام القضائية والقرارات الإدارية والأوامر الصادرة نهائيا، تكملة لوظيفة المؤسسات الرقابية الأخرى لمصالح الفرد والجماعة، وليس التعريض بها من حيث هي محكمة ولا التقليل من معرفة السادة القضاة الذين لهم علينا واجب الاحترام والتقدير، وإنما لأجل التذكير والإنارة اللذان يكونان جوهر مهمة الدفاع ومساعدة القضاء في تأدية وظيفته ومهمته الجسيمة، والتي يتوقف عليها مصير المجتمع كله محكوما له أو محكوما عليه.
فالمحكمة العليا قبل كل شيء هي محكمة قانون، وليست محكمة وقائع، بما لها من مكانة سامية على رأس الهرم القضائي وما يعلقه المشرع والمجتمع عليها من آمال كمراقب قضائي وحارس مؤتمن ومنزه لا يخضع إلا للقانون ولا يتلقى الأوامر والتوجيهات، وليس عليه سلطة الوصاية، فالمحكمة العليا لا تتبع لوزارة العدل ولا تخضع للتفتيش الذي تكون عرضة له جميع إدارات وزارة العدل، اعتبارا لمكانتها الرفيعة وتحصينا لها من عوامل التأثير مهما كان نوعها أو درجتها، لكي تنطق بالحق وتحكم بالعدل وأن تكون ملاذ جميع المظلومين والضعفاء الذين ليست لديهم وسائل الترغيب والترهيب قياما منها بواجبها الطبيعي في صيانة الحقوق والسلم الاجتماعي وخدمة للمواطن والوطن..

الأستاذ/ محمد محمود ولد الحاج باي
6357126
Bay1970@maktoob.com